أيُّ حالٍ حالُهم!؟
"لا شيءَ في الجو وآفاقِه أصْعدُ مِن دعوة مَظلوم"
أيُّ حالٍ حالُ مَن فقدوا المُعيلَ والسَّندَ والعَون في غَزَّةَ، وباتت الدموع لا تفارق مَحاجر عيونهم، والأسى يشتعلُ في حنايا صدورهم!؟
أيُّ حالٍ حالُ اليتامى والأرامل والثكالى والمكلومين الذين باتوا يَعجنون خبزهم بالدموع.. تلكَ الدموع السَّاخنة المُنسكبة من مآقيهم إلى خدودهم إلى ثغورهم!؟
أيُّ حالٍ حالُ من هبطت على بيوتهم الآمنة وفي محيطها صواريخ الفَتكِ وأدوات الحَرب العدوانية الجائرة فاصطادت شظاياها أجزاءَ من أجسامِهم وبَتَرتها أو عطَّلت غيرها لتلازمهم العاهات الجسدية وتُقْعِدهم في مُعاناةٍ واوجاع وتنهدات ما امتدَّ بهم العمر!؟
أيُّ حالٍ حالُ مَن هُجِّروا عُنوةً أو شُرِّدوا من جرَّاء التضييق الخانق، أو فَرُّوا رغماً عنهم للنجاة بأنفسهم من نارِ الحرب وشَرِّها، فباتت السماء ألحِفةً لهم يتدثرون بها، والأرض العارية فُرُشاً لهم. فأخذوا يستدفئون بتنهداتهم علَّها تُبْعدِ عن أبدانهم المرتجفة شيئاً مِن هبوب العواصف وبَرْد الشتاء القارس الذي يُداهِم بِشِدَّتِه أبدانهم فيكاد يخترقها!؟
أيُّ حالٍ حالُ مَن ذَهبت، بل إمَّحَت عن خريطة المكان، مَعالِم دُوُرِهِم وبيوتهم التي كانت تروي مسيرة العُمُر وتأويهم نابضةً بالألفة والوئام، وكذا حالُ باحاتها الشاهِدة على ذكرياتٍ حُلوة ولقاءات حَمِيمية جَمَعت أبناء المذاهب والطوائف معاً ورفرفَ في اجوائها التناغم والانسجام!؟
أيُّ حالٍ حالُ مَن تلاشت، بل سُوِّيَت بالأرض إثرَ هَدمِها بفعل الحَرب العدوانية الشَّرِسة، أبواب أرزاقهم وتبدَّدت المَحَال والمصالح التي كانوا يتعيَّشون مِن دَخْلِها ويقومون بِأَوَدِ عوائلهم منها!؟
أيُّ حالٍ حالُ مَن يَطالُهم العُنف وتمتد إليهم أيدي الغَدر والكيد -وقد امتدَّت بالفِعل- لِتُسكِت أصوات الحق التي بها يَصدَحون كأعلاميين وصحافيين وتغييب ما يَرَونَه بأمِّ العَين فيبثُّونَه!؟
أيُّ حالٍ حالُ الشيبِ والشُّبان والأطفال مِمَن رغماً عن إرادتهم، ينتظرون مُرتقبينَ في صُفوفٍ طويلة وفي أيديهم القُدور والآنية والعبوات علَّهم ينالون يَسِيراً مِن الطعام، أو شيئاً مِن الماء لسدِّ رَمَقِهم وإرواء عَطَشِهم. وهُم لم يَقبلوا مِن قَبل مِنَّةً مِن أحدٍ أو شَفَقةً مِن غيرهِ لتبقى عِزّة نفسهم مَصونة وكرامتهم محفوظة!؟
أيُّ حالٍ سيؤول اليه حال الأطفال الأبرياء حين يشتد عَضُدُهم ويكبٌرون. وَهُم الذين التصقت بعيونهم مشاهد الموت والدمار، واختُزِنَ في عقولهم هدير الطائرات وأصوات آلات الحرب، ولازمَ أسماعهم دويِّ المتفجرات يُرافقهُ عَويلٌ وآهات مَن فقدوا الأمّ والأب والأخت، والأخ والجار!؟
مَن يَرثي، ومَن يبكي، ومَن تُراه سيذكُرُ مِن بعد مَن انهارت فوق رؤوسهم على حين غَرَّةٍ، البيوت التي كانت تأويهم فأودت بأرواحهم البريئة وارواح عوائلهم بالجُّملة فما عاد لهم وجود سوى مِن سجلاتٍ النفوس وتعدادها!
مَن يَرثي، ومَن يبكي، ومَن تُراه سيذكُرُ مِن بعدُ الضحايا الأبرياء الأصفياء الذين سقطوا في المساجد والكنائس والمشافي ودور العَجَزة ومراكز إيواء الأيتام ومؤسسات التعليم بمراحله المختلفة!؟
وتزدحِم الأسئلة على اللِسان: فأيُّ حالٍ حالُكِ غزَّة!؟
وأيُّ حالٍ حالُ عَالَمِنا الذي غُيِّبَت فيه الموازين الإنسانية والأخلاقية والقِيَمِيَة؟ عالمنا الذي باتت تَستهويه حِياكة الكلام ونَسْج تعابير التعاطف لِمَرَّةٍ والاستنكار والإدانة والشجب لِمراتٍ، وليس مِن أفعال تتمثلُ بِهَبَّة عالمية فورية شُجاعة لوقف شلال دم الأبرياء ولِرَدِّ سهام العدو الغاشم التي طال أمَدُ تطايرها وحيثما أراد أعداء الحياة وخصوم السلام!
وصدقَ أمير الشعراء أحمد شوقي بقولهِ: "والحربُ يَبعثها القويّ تجبراً وينوءُ تحت بلائها الضعفاءُ"
بقلم حنا ميخائيل سلامة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
على يقينٍ مِن قُدرَتِكم حلَّ أزمة السَّير في عمَّان فَهَلاَّ فَعَلْتُم!
بقلم: حنا ميخائيل سلامة نعمان
لا ننفكُ نسمع مرةً، ونقرأ لِمرَّاتٍ أنَّ أزمة السير الخانقة التي تشهدها تحديداً العاصمة عمَّان تعود في أسبابها لازدياد أعداد المركبات، أو لتزامُن توجّه الموظفين لأماكن عملهم والطلبة إلى جامعاتهم ومدارسهم أو بسبب وجود مركبات المغتربين في فُصولٍ مُعيَّنة، ويُلقى باللوم أحياناً على الظروف الجوِّية التي سبَّبت الأزمة! إنَّ هذا كلّه وغير ذلك من تبريرات نسمعها ونقرأ عنها دونما انقطاع لن يُعالِج الأزمة الخانقة التي باتت تُعطِّل مصالح الناس وتؤخِّرهم عن التزاماتهم المختلفة المُلِحَّة ومنها الاستشفائية، كذلك تُعطِّلهم عن الوصول لأماكن عملهم في شتى المواقع أو الالتحاق بمقاعدهم الدراسية وحين إيابهم منها. والمَشهد المؤسِف المُتكرِّر رؤيته، أن تجدَ سيارات الإسعاف أو طوارئ الكهرباء وما ماثَلها مَحشورة مُحاصرةً في وسط الأزمة بالرغم من استغاثة زماميرها لفتح مَسْرَبٍ لمهماتها الانقاذية العاجلة! ويغفَل مع الأسف الكثير مِمَن يعنيهم الأمر أن الأزمة تستنزِف أموال المواطن الذي يكون خصص مبلغاً محدَّداً أجرةً لتنقلاته وتنقلات أبنائه فإذا بها تتضاعف لِتُجْهِزَ على راتبه. والحال نفسهُ على مالِكيّ السيارات الخاصة مِن أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، وما أكثرهم، حيث تَضَاعف مَصروف وقود مركباتهم بسبب مُكوثِهم مُسَمَّرين فيها أضعاف الوقت المُعتاد، والكل يعلم أنَّ مُحركاتها لا تعمل على الهواء مجاناً!
إنَّ أعْذارَ مَن يعنيهم الأمر غير شافية، وأراها تُخفي الأسباب الرئيسية الكامنة وراء أزمة السير والاختناقات المرورية. فالمُلاحَظ أنَّ مَن خَطَّط ودَرَس وأمَرَ بتنفيذ بعض مشاريع الجسور والأنفاق وصولاً لمشروع الباص السَّريع لم يضع على الأرجح بالحِسْبان أنَّ الأزمات المرورية سَتُرحَّل مِن مواقعَ وَسَتَجْمعها نفسها وتُعَقِّد انسيابها في مواقع أخرى. كما أن َّالترويج الذي جرى لها بأنها ستختصر المسافات وتوفر الوقت قد ثبتَ عدم صوابهِ على نحوٍ ما مع الأيام، بدليل ما يقضيه المواطن من وقتٍ طويلٍ على شوارعَ كثيرة وفي مُحيط الدَّواوير وفي داخل الأنفاق وخارجها وعلى الجسور فيذهب صبره وتحترق أعصابه مِن الانتظار!
وإذا ما بحثتَ عن أسباب أخرى وجدتَ على جوانب شوارع رئيسية أو فرعية مُهمة قيام أبراج ومنشآت وأبنية بارتفاع عشرة طوابق أو أقل من ذلك، ومجمعات تجارية ضخمة ومعارض سيارات أو مُعرَّشات لبيع الخضار والفاكهة، أو مُعَرَّشات لبيع الأشجار والنباتات. ومِن هذه ما يكون مُلاصِقاً بالتمام لمنعطفات الشوارع وقرب الدَّواوير كما نرى هذا الأمر الذي لبقالات ومحال سوبرماركت احتلت منعطفات شوارع فعطلت الانسياب المروري. فتتساءَل كيف جرى منح ترخيص ذلك كله دونَ إجراء الدراسات الشَّفافة المُتأنية من لجان واسعة الخِبرات مِن مختلف الدوائر المعنية لوضع الشوارع ولِما سيؤول عليه حالها، وعن مدى قدرتها على استيعاب حركة المركبات المتدفقة بشكل طبيعي واستشراف انسيابها المروري؟ وكيف لم يُؤخَذ بالاعتبار موضوع مركبات الزبائن الوافدين اليها أو المُراجعين كذلكَ آليات وشاحنات نقل البضائع بأحجامها الكبيرة والمتوسطة التي ستتردد عليها دونما انقطاع للتزويد فتضيق الشوارع وتبدأ الاختناقات المرورية وما يتبع هذا مِن حوادث. ومِن الملاحظ أن كراجات أغلب تلك المنشآت لا يتم فتحها أو تستثمر لأمورٍ مختلفة فتصبح الشوارع مواقف لموظفيها ومرتاديها، فتنحسر مساحة الشوارع ويتعطل الانسياب المروري.
إنَّ استغلال مسارب حافلات "الباص السريع" وشوارعه لغير حافلاته فحسب بات أمراً مُلحا ًوعقلانيا،ً ولا يَضيرُ ذلكَ طالما المصلحة العامة تقتضي إعادة الحسابات في مشروعاتٍ جَرَت. فمسارب حافلات الباص السريع الفسيحة غير مطروقة على النحو الذي نراه جميعاً في سائر مناطق مروره، حيث نرى وبعد شهورٍ عديدة مِن تشغيله في كل بضعة دقائق إحدى حافلاته يستقلها بعض الأشخاص.. فيما المركبات على الشوارع المُحاذية مُكدَّسة متلاصقة والاختناقات المرورية على أَشُدِّها والناس فيها تنتظرُ وتنتظر، بل في حالة انفعالٍ لِما عليها مِن التزامات وارتباطات!
في جانبٍ آخر ثمة ملاحظة، تتعلق بِمُحْتَلِّي الأرصفة بالمعروضات المختلفة أو أصناف من الحواجز، بالإضافة إلى وضع كثيرين لطاولات المقاهي وكراسيّها قُبالة مقاهيهم وعلى كامل أرصِفة معينة. بحيث يضطر المُشاة ومنهم صِغار العُمر ولعدم وجود مواطئ لأقدامهم النزول إلى الشوارع والمَشي بين السيارات وتعريض حياتهم لأخطار لسنا بحاجة لها فسلامة المواطن التي تعنينا جميعاً أولى مِن عوائد تراخيص تُمنح فتستبيح الأرصفة.
وختاماً إنَّ معالجة أزمة السير الخانقة واجتثاث المسبِّبات مسائل لا تحتمل التأجيل أو تشكيل مزيدٍ من اللجان. فكم مِن لجنة شُكِّلت على مدى السنوات الماضية غيرَ أن ثماراً ملموسة على أرض الواقع لم نَلمَسها. ويبقى أن نقول، على يقينٍ نحنُ من قُدرتكم أيُّها المَعنيون إن شِئتُم حلَّ أزمة السَّير في عمَّان بما لديكم مِن خبراتٍ وكفاءات وإرادة لخدمة الناس والتسهيل عليهم.. فهلاَّ فعلتُم!