حَبَّذا لو.. قبل تبادل بطاقات التهنئة بعيد القيامة المجيدة!
حنا ميخائيل سلامة نعمان
حبَّذا وقد أَطَلَّ عيد القيامة المجيدة؛ قيامة الفادي المُخلِّص السيد المسيح، الذي تقدَّس اسمه افتقدنا بأنْ "وَطِئَ الموت ووهب الحياة _حتى _ للذين في القبور" أن يُصار إلى التركيز في نمط بطاقات المُعايدة المتبادلة بهذه المناسبة المقدسة، لتكون ذاتَ معنىً وغاية، ولإيصال رسالةٍ للمُتلقي مِن خلال أن تَتوفر فيها آيات إنجيلية تتحدث عن القيامة المجيدة؛ وهذه الآيات لا حصر لها.. أو تحتوي على صُوَرٍ ورسومات لأيقونات مقدسة تُظهِرُ السيد المسيح القائم من الموت، وما يُماثلُ ذلك على نحو إظهار القبر الفارغ والنور المُشِع مِن غالبِ شوكة الموت وغير ذلك من صُوَرٍ ذات جلالٍ وسمو!
ذلك أن ما يؤسَف له، ذلكَ التداول الذي يجري.. وأراهُ بِدعةً أو لوناً مِن الاستهانة أو بغرضِ إمالةِ الأنظار عن رُوحِ هذه المناسبة المقدسة وأبعادها ودلالاتها. حيث نرى التركيز في أغلب الحالات على تداول بطاقات تهنئةٍ فيها ما هَبَّ وَدَبَّ مِن تصاميمَ لِصُوَرٍ وأشكال لأرانبَ أو للبيض المُلَوَّن المزركش! ومهما جرى تبرير هذا النوع من البطاقات بانَّه يعني رمزاً للخصوبة والحياة وما شاكلَ.. غير أن بطاقاتٍ كهذه من المقبول أن تتداولها شريحة الأطفال فحسب، أما أن يتداولها مَن هُم أكبر سِناً فهذا يؤسف له!! إذ ليس مِن رُوح المناسبة على الإطلاق ولا يُدرَجُ تحتَ باب الفَهْمِ أو الإدراك أو الرزانة!
إنَّه عيد قيامة المجيدة؛ لقاءٌ بالمسيح القائم؛ الذي قامَ بالحقيقة وكما جاء في الكُتب المقدسة وكما هو نَفسُهُ كانَ قال وبشهادة آلاف ممن عاينوا القيامة المجيدة وشهِدوا بها أيضاً! وكلُّ عامٍ وأنتم بخير.
9/4/2026
أربعة دُروس مِن التاريخ.. لِمن شاءَ الإستعبار..!
حنا ميخائيل سلامة نعمان
مِن مُنطَلَقِ الَّلغْوِ والتَّخرُّص الجائر الباطل على قداسة الحَبر الأعظم، رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا ليون الرابع عشر، خليفة القديس بطرس والجالسِ على كُرسِيِّه؛ المَعروفِ بوداعتهِ وتواضع قلبه وإنسانيَّتِه وَحِكمته؛ والرافض بجُرأةٍ الحروب والعنف السياسي بكافة أشكالِه ومظاهِرِهِ وهو القائل:" مَن يَحملُ بيده سلاحاً فليضعهُ جانباً، ومن يملِك سُلطة إشعال الحروب فليختر السَّلام، ليس سلاماً يُنشَدُ بالقوة، بل بالحوار؛ ليس بإرادةِ السيطرة على الآخر، بل لِقائه". وقداسته لا يَنفكُ ينادي لبناء جسور السلام والعدالة بين أبناء المسكونة كلها، وتعميم المحبة، وتحقيق كرامة الناس أجمعين بصرفِ النظر عن أطيافِ معتقداتهم الإيمانية، وأصولهم، وثقافاتهم. وَجديرٌ بالمناسبة لفت الانتباه لقولٍ يَصِحُّ أن يكونَ هادياً، بل رادعاً لِمن ترتفع أيديهم مُصَلِّينَ مباركين إذكاء الحروب والصراعات؛ يقول قداسته" إنَّ الله يرفضُ صلوات القادةِ الذين يَشنُّون الحروب وتصبح أيديهم مُلطخةً بالدماء"."
ومِن مُنطلَقِ ذلكَ القائد الزَّمَني.. الذي ارتضى قبلَ أسابيع وبقيَ صامتاً مُستكيناً ويا للأسفِ! عندما قارنوه ضِمنَ أدعيةٍ وشبَّهوه بالسيد المسيح؛ مَسيح السَّلام والمحبة والرحمة؛ وشافي أمراض النفس والجسد وَمُبرئ الموتى!
وَمِن مُنطلقِ ذلكَ الذي قارنَ -حُمقاً ورُعونةً مِنه – المُخلص الفادي السيد المسيح "كلمة الله المُتجسِّد" بالسَّفاح جنكيز خان!
مِن مُنطلقِ ذلكَ كُلّه وغيره مِما نُتابع في أماكن كثيرة مِن عالَمِنا مِن تَألُّهاتِ مُتألِّهين؛ وغطرسةِ المُتغطرِسين، وتعظيمِ أشخاصٍ لأنفسهم بفوقيةٍ وتباهٍ وتجَبُّرٍ وَدَوسٍ على القِيَم الأخلاقية والإنسانية وعلى كرامة البُسطاء من الناس وحقوقهم ؛ تَتخطَّرُ في البال أربعة دروسٍ مِن التاريخ على كثرة المتوفر منها، أَسُوقُها ليسَ تشفِّياً أو كضَربٍ مِن الشماتة فحاشا للهِ وَمَعاذَ، إنما لِمن شاءَ أن تكونَ بوصلته مِن الآن فصاعداً مَخافة الله ؛ وللإستعبار والتَّوقي وأخذ المواعظ والدروس قبلَ الاسترسال والتمادي في الأفعال والأقوال " ولاتَ حينَ مَندَمِ " كما جاء في المَثل!
يُحدِّثنا التاريخ أنَّ الإمبراطور الروماني " نيرون" أُصيبَ بجنون العظمة وكان ظالماً مُستبداً يَهوى سفك الدماء حتى وصل به الأمر إلى تصفيةٍ دَمويَّةٍ لأفراد من خاصتهِ وَمن ذوي القُربى. وهو نفسه مَن أمرَ بحرق روما حيث تسلَّى لأسبوع على اشتعال النيران في أرجائها. ثمَّ انتحر بخنجرٍ ثَبَّتَهُ بالعكس على جدارٍ ودفع نفسه لمراتٍ عليه ومات سنة 68م.
ويُحدِّثُنا التاريخ أن الطاغية المُتجَبِّر المشهور بالعِناد والدائس على كرامة الناس وسائر حقوقهم "فرعون" قد أُغرِقَ وجميع عَساكِرِهِ بقُدرةٍ عُلْويَّةٍ في البحر الأحمر نحو سنة 1303ق. م.
ويُحدِّثُنا التاريخ والنَّصُ الإنجيلي أنَّ نبوخدنصرَ حاكِم بابل وأقاليم من سطح الأرض المشهور بغروره، وفتوحاته الكثيرة وشُعوره بالتعاظُم على ربِّ الأرباب، قد أُصيبَ -قبلَ أن يتوبَ في نهاية عُمره -لسبع سِنينَ بلوثةٍ عقليةٍ فصار"يأكل العشب كالثيران وطالَ شعرهُ مثل النسور وأظفارُهُ مثلَ الطيور" توفي سنة 562 ق.م. (سِفر دانيال4).
ويُحدِّثُنا التاريخ والنَّصُ الإنجيلي "أن هيرودس الحاكِم الروماني، الدَّموي، على الجليل ومناطقَ واسعة: " وفي يومٍ مُعينٍ لَبِسَ الحُلَّة المُلوكية وجلس على كُرسي المُلك وجعلَ يُخاطب الشعب- باستكبارٍ وَاستعظامٍ للنفس وأنَّ لا سُلطانَ لأحدٍ عليه مِن فوق – فصرخَ الشعب "هذا صوتُ إلهٍ لا صوتُ إنسانٍ!" ففي الحال ضربَه ملاكُ الرَّب لأنه لم يُعطِ المجدَ للهِ فصار يأكُلُه الدُّود ومات" (أع :12)
واختم بهذه الدُرَر السَّنية ففيها مَواعظ تسمو على الكثير مِن المواعِظ:
قالَ القديس أوغسطينوس: "لا أريدُ أن أصادقَ هذا العَالم وإلا عاديتُ الله".
وجاء في مزامير داود 111" رأسُ الحكمة مَخافة الرَّب، فِطنةٌ جيدةٌ لِكلِ عامليها. تسبيحُهُ قائمٌ إلى الأبد".
وجاءَ في سِفر الجامعة لسليمان الحكيم: "إن رأيتَ ظُلم الفقير، ونزعَ الحقَّ والعدلَ من بلادٍ، فلا تَرتَع مِن الأمر، لأنَّ فوق العالي عالياً يُلاحظُ؛ والأعلى فوقَهُما!".
أما الفيلسوف الشاعر المعري فقال: "لا شيءَ في الجَّو وآفاقهِ.. أصْعَد مِن دَعوةِ مظلومِ!"
إشهار كِتاب الباحثِ الكاتب حنا ميخائيل سلامة نعمان المُعَنون "سراجٌ وشراعٌ"
برعايةٍ كريمةٍ من سيادة المُونسنيور الدكتور حنا سعيد كلداني جرى حفل إشهار كتاب "سِـراجٌ وَشِـراعٌ" للكاتبِ الباحِثِ حنَّا ميخائيل سَلامة نُعمان. وقد ضَمَّ الكِتابُ بين دفتيه سبعةً وسبعينَ موضوعاً وردت في 256 صفحةً مِن القَطْعِ الكبير. وقد اختصها المؤلِّف " لِما كان يَعتَمِلُ في داخله مِن تَمَوُّجاتٍ فِكريَّةٍ وَخَلَجاتٍ رُوحيَّةٍ وَتخَطُّراتٍ" كما بينَ في مَعْرِضِ تقديمه للكتاب مُضيفاً: " الكتابُ سِراجٌ وقادٌ يُنيرُ أعماقَ مَن شاءَ الاستضاءَة بأنوارِ مَوضوعاتهِ ذات الإشراقات المُتوهِّجَة وإنَّهُ في الوقت عَينهِ شِراعٌ مَمدودٌ لتوجيهِ مَسَارِ سفينةِ الحَياةِ وَهَدْيِها، لِتَشُقَّ عُبابَ بَحرٍ تَضرِبُهُ العواصف".
وقد استُهِلَ الحَفلُ بكلمةٍ ترحيبيةٍ مِن المؤلِّف شكرَ فيها راعي الحَفل الكريم، وَجَمْعَ القاماتِ الفِكرية والدينية والوطنية التي اجتمعت" كَعِقدِ لُؤلؤٍ بَهيٍ لِتُعلِن انطلاقَ الكِتاب للنور".
وفي "قِراءَةٍ أدبيَّةٍ فلسفيةٍ" لمحتوى الكِتاب أشارَ المُفكِّر الدُّكتور سَعد شاكر شِِبلي الباحِث في العُلاقات الدَّوْلِية والحائز على دَرَجَتي دكتوراة في العلوم السياسية وفي القانون "أنَّ الكِتاب عمل أدبي وفكري يجسد حوار الضمير الإنساني مع القيم الروحية السامية. فالسراج هنا يرمز إلى النور الإلهي الذي يهدي السبيل، والشراع يرمز إلى رحلة الانسان نحو فضاءات الرحمة والحكمة". وأضاف "هذا التزاوج بين الثبات والحركة، بين النور والطريق، هو ما يجعل من الكتاب نصاً حياً يتنفس بألق الأدب وروحانية الإيمان". كما عرَّج الدكتور سَعد على الأبعاد الفلسفية التي تبدَّت في طَيات الكِتاب مُشيراً إلى أنها "لا تنتمي إلى حيز اللاهوت فحسب، بل تتجاوزه إلى فلسفة الوجود الإنساني، حيث يصبح الجسد وعاءً للروح، والروح شعلة تتوق إلى الانعتاق نحو الخير والجمال". كما ثنَّى في مَوقعٍ مِن كلمته القيِّمة على لُغةِ الكِتاب بقوله " إنها عالمٌ من الإبداع. شَفيفة كالندى، متينة كالجبل، تستقي من ينابيع العربية الأصيلة، لكنها تحلق في فضاءات الإيمان المسيحي برقة وعمق".
وبيَّنَ فَضيلة الشيخ مُصطفى أبو رُمَّان في كلمتِه "أنَّ مُؤلِّف الكِتاب قد وضعَ بَصْمةً على جهوده بهذا المُؤلِّف الذي يجيءُ بعد خمسة كُتبٍ أنجزَها مِن قَبل". وأنَّهُ في " سراج وشراع " قد أبحَرَ في عَالَمِ الرُّوح والعقل وفي بَحر المعرفة" مُشيراً في الوقتِ نفسِهِ لِعناوينَ في الكِتاب تَتَسِمُ بِتجلِّياتٍ "كان فيها مُناجِياً مُتأمِّلاً؛ راهباً وَصوفياً في المُلْكِ وَالمَلَكوت". وَتوقف فضيلته عند أقوالٍ وَرَدت مِنها لابنِ عطاء الله السكندري" الكونُ كله ظلمة وإنما أنارَهُ وجودُ الحق فيه. فمن رأى الكون ولم يشهدهُ فيه أو عندَهُ أو قبلَهُ أو بعده فقد أعوزَه وجود الأنوار، وحُجِبَت عنه شُموسُ المعارفِ بِسُحُبِ الآثارِ".
وَقولٍ لِيحيَ بن معاذ الرازي مِن أئِمَّة التَّصوفِ: "القلوبُ كالقدور في الصُّدورِ تَغلي بما فيها، ومغارفُها ألسِنَتها، فانظر الرَّجُل حتى يتكلم فإنّ لسانه يغترف لك مما في قلبه مِن بين حلوٍ وحامضٍ وَعذبٍ وأجاج". واختتم كلمته بوصية لقمانَ الحكيم لابنهِ:" يا بُنيَّ تعلمتُ بِسبعة آلافٍ مِن الحكمة فاحفظ منها أربعةً ومرجعي إلى الجَّنةَ "أحْكِم سفينتَكَ فإنّ بحرَكَ عميق، وخفف حِملكَ فإنّ العَقبةَ كؤودٌ، وأكثِرِ الزاد فإنّ السفرَ بعيدٌ، وأَخْلِص العملَ فإنَّ الناقدَ بَصيرٌ".
واستعرضَ اللواءِ الرُّكنِ المُتقاعد مَنصور باشا أبو راشد؛ المُستشار والخبير الاستراتيجي، رئيس جمعية التغيرِ المُناخي وحمايةِ البيئةِ الأردنية في كلمتهِ "معرِفتَهُ وَعُلاقته المُمتدة لثلاثة عُقود من الزَّمن مع مؤلِّف الكِتاب؛ وأنَّهُ أُردُنيٌ وَوطنيٌ حتى النُّخاع، يكتُبُ في هُموم الناس وقضايا المواطنين التي يتابعها عن قُربٍ وهو بذلك يقوم بواجبٍ وطنيٍ". وأضاف: "أنَّ المؤلِّف ومن خبرته مَعهُ يُمثِّلُ بلده حيثما حلَّ خيرَ تمثيلٍ لِما في ضميره من حُبٍ للوطن ولأبناء الوطن". وقد أبدى عطوفتهُ تقديرَهُ لهذا المُنجَز الجديد "الهادف لإعلاء المُثُلِ العليا وتعميم المحبة في عالمٍ تـَتَسِّع فيه المسافة بين القول والعمل". وأشار إلى أنَّ المؤلِّفَ مِن الهيئة المؤسِّسة لجمعية التغير المناخي وحماية البيئة الأردنية التي ينتسب إليها كوكبة مِن أبناء الوطن المُهتمين بالعمل التطوعي لخدمة بلدِهم.
وَتحدَّث الخبير التربوي والمستشار في حَقلِ التعليمِ وإعدادِ المُعلمين الدُّكتور إدوارد عبيد مُبيِّناً "أن المؤلِّف قد وضع خبراته ومعرفته في خدمة الإنسان؛ وقد تجلَّت مقالاته بمعانيها الروحية السامية النابِضة لِتُعيد الينا شيئاً من هدوء الروح وسطَ عالمٍ يُفجر تحدياتٍ إنسانية بعيدة عن الحق والعدل والسمو الروحي" كما أكد في كلمته" أننا بحقٍ بحاجة لِمثل هذا العمل وسط عالمٍ يموج بالصراعات"؛ وأضافَ " لقد عَرَف مؤلِّفُ الكِتاب لماذا يكتب؟ ولمن يكتب؟ وماذا يكتب؟" مُجيباً على هذه التساؤلات بتحليلٍ مِن عُمقِ الكِتاب. كما اعتبرَ الكتاب "بالإضافة إلى الجهود الأدبية فيه يُشكِّلُ كلمةَ حقٍ ووسيلة فكرٍ تقودنا للرجوع إلى المحبة التي تُغير كل شيء، كما أشاد النصوص الواردة والتي تُعيدنا لإنسانية الإنسان".
وَتحدَّث راعي الحفل سيادة المُونسنيور الدكتور حنا سعيد كلداني واصِفاً المؤلِّفَ "بالأخ والصديق؛ وأنَّهُ مؤلفٌ وناقدٌ وراصدٌ للظواهر الاجتماعية على المستوى الوطني والكنائِسي؛ يعيشُ الهمَّ العامَ ويحملُهُ في فِكره وقلمه الناقد المُحلل والمُوجِّه". كما سلَّطَ الضَّوء على "ارتقاء المؤلِّف بقارئِ كِتابه في تأملاتٍ روحية ملائكية أخَّاذَة؛ فَالسِّراج ينير الدرب والشراع يعطي الدافعية والقدرة على الحركة والتغيير والإبحار في عوالمَ جديدة". واستشهدَ راعي الحَفل في سياقِ كلمته بقول القديس بولص "ولا تتشبهوا بهذه الدنيا، بل تحولوا بتجدُّد عقولكم لتتبينوا ما هي مشيئةُ اللهِ، أي ما هو صالحٌ وما هو مرضيٌ وما هو كامل". مُبيناً مرامي هذا القول "وانسحابه على الدور الذي قام به المؤلف بإسهامهِ بما كَتَبَ للتغيير نحو الأفضل مجتمعياً وكنائسياً، إثرَ مراقبته الواقع وتسجيله لمجرياتهِ؛ لِتنظيم الأمور لتتوافق وتواكِبَ كل ما هو صالحٌ ومرضيٌ وما هو كامل-" ومعرجاً لمزيدٍ من الإضاءَةِ على تفسيرٍ للنَصّ يعودُ لمارتن لوثر كنج يَخلُصُ إلى ضرورة " تجديدُ العقول والتغيير الإيجابي وبأن نصنع نحنُ التاريخ بدلاً من أن يصنعنا".
واختُتمَ الحفل الذي جرى مساء يوم الجمعة الموافق 25/11/2025 في قاعة كنيسة العذراء الناصرية، وأدارت برنامجه وقدَّمَت المُتحدِّثين السَّيدة دينا نعمان نجار، بكلمةِ شُكرٍ مِن مُؤلِّف الكِتاب، ثم جرى توقيع الكتاب وإهداؤهُ للحضور الكِرام.
حنا ميخائيل سلامة نعمان
أيُّ حالٍ حالُهم!؟
"لا شيءَ في الجو وآفاقِه أصْعدُ مِن دعوة مَظلوم"
أيُّ حالٍ حالُ مَن فقدوا المُعيلَ والسَّندَ والعَون في غَزَّةَ، وباتت الدموع لا تفارق مَحاجر عيونهم، والأسى يشتعلُ في حنايا صدورهم!؟
أيُّ حالٍ حالُ اليتامى والأرامل والثكالى والمكلومين الذين باتوا يَعجنون خبزهم بالدموع.. تلكَ الدموع السَّاخنة المُنسكبة من مآقيهم إلى خدودهم إلى ثغورهم!؟
أيُّ حالٍ حالُ من هبطت على بيوتهم الآمنة وفي محيطها صواريخ الفَتكِ وأدوات الحَرب العدوانية الجائرة فاصطادت شظاياها أجزاءَ من أجسامِهم وبَتَرتها أو عطَّلت غيرها لتلازمهم العاهات الجسدية وتُقْعِدهم في مُعاناةٍ واوجاع وتنهدات ما امتدَّ بهم العمر!؟
أيُّ حالٍ حالُ مَن هُجِّروا عُنوةً أو شُرِّدوا من جرَّاء التضييق الخانق، أو فَرُّوا رغماً عنهم للنجاة بأنفسهم من نارِ الحرب وشَرِّها، فباتت السماء ألحِفةً لهم يتدثرون بها، والأرض العارية فُرُشاً لهم. فأخذوا يستدفئون بتنهداتهم علَّها تُبْعدِ عن أبدانهم المرتجفة شيئاً مِن هبوب العواصف وبَرْد الشتاء القارس الذي يُداهِم بِشِدَّتِه أبدانهم فيكاد يخترقها!؟
أيُّ حالٍ حالُ مَن ذَهبت، بل إمَّحَت عن خريطة المكان، مَعالِم دُوُرِهِم وبيوتهم التي كانت تروي مسيرة العُمُر وتأويهم نابضةً بالألفة والوئام، وكذا حالُ باحاتها الشاهِدة على ذكرياتٍ حُلوة ولقاءات حَمِيمية جَمَعت أبناء المذاهب والطوائف معاً ورفرفَ في اجوائها التناغم والانسجام!؟
أيُّ حالٍ حالُ مَن تلاشت، بل سُوِّيَت بالأرض إثرَ هَدمِها بفعل الحَرب العدوانية الشَّرِسة، أبواب أرزاقهم وتبدَّدت المَحَال والمصالح التي كانوا يتعيَّشون مِن دَخْلِها ويقومون بِأَوَدِ عوائلهم منها!؟
أيُّ حالٍ حالُ مَن يَطالُهم العُنف وتمتد إليهم أيدي الغَدر والكيد -وقد امتدَّت بالفِعل- لِتُسكِت أصوات الحق التي بها يَصدَحون كأعلاميين وصحافيين وتغييب ما يَرَونَه بأمِّ العَين فيبثُّونَه!؟
أيُّ حالٍ حالُ الشيبِ والشُّبان والأطفال مِمَن رغماً عن إرادتهم، ينتظرون مُرتقبينَ في صُفوفٍ طويلة وفي أيديهم القُدور والآنية والعبوات علَّهم ينالون يَسِيراً مِن الطعام، أو شيئاً مِن الماء لسدِّ رَمَقِهم وإرواء عَطَشِهم. وهُم لم يَقبلوا مِن قَبل مِنَّةً مِن أحدٍ أو شَفَقةً مِن غيرهِ لتبقى عِزّة نفسهم مَصونة وكرامتهم محفوظة!؟
أيُّ حالٍ سيؤول اليه حال الأطفال الأبرياء حين يشتد عَضُدُهم ويكبٌرون. وَهُم الذين التصقت بعيونهم مشاهد الموت والدمار، واختُزِنَ في عقولهم هدير الطائرات وأصوات آلات الحرب، ولازمَ أسماعهم دويِّ المتفجرات يُرافقهُ عَويلٌ وآهات مَن فقدوا الأمّ والأب والأخت، والأخ والجار!؟
مَن يَرثي، ومَن يبكي، ومَن تُراه سيذكُرُ مِن بعد مَن انهارت فوق رؤوسهم على حين غَرَّةٍ، البيوت التي كانت تأويهم فأودت بأرواحهم البريئة وارواح عوائلهم بالجُّملة فما عاد لهم وجود سوى مِن سجلاتٍ النفوس وتعدادها!
مَن يَرثي، ومَن يبكي، ومَن تُراه سيذكُرُ مِن بعدُ الضحايا الأبرياء الأصفياء الذين سقطوا في المساجد والكنائس والمشافي ودور العَجَزة ومراكز إيواء الأيتام ومؤسسات التعليم بمراحله المختلفة!؟
وتزدحِم الأسئلة على اللِسان: فأيُّ حالٍ حالُكِ غزَّة!؟
وأيُّ حالٍ حالُ عَالَمِنا الذي غُيِّبَت فيه الموازين الإنسانية والأخلاقية والقِيَمِيَة؟ عالمنا الذي باتت تَستهويه حِياكة الكلام ونَسْج تعابير التعاطف لِمَرَّةٍ والاستنكار والإدانة والشجب لِمراتٍ، وليس مِن أفعال تتمثلُ بِهَبَّة عالمية فورية شُجاعة لوقف شلال دم الأبرياء ولِرَدِّ سهام العدو الغاشم التي طال أمَدُ تطايرها وحيثما أراد أعداء الحياة وخصوم السلام!
وصدقَ أمير الشعراء أحمد شوقي بقولهِ: "والحربُ يَبعثها القويّ تجبراً وينوءُ تحت بلائها الضعفاءُ"
بقلم حنا ميخائيل سلامة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا يكونُ الإحسان إحساناً حين يكون بدافع الشُّهرة والتفاخر!
إقامة مَوائد الإفطار للمُحتاجين أو لشرائحَ مُعينة مِن أبناء المجتمع، وتقديم المعونات بأنواعها وتوزيعها في المواسم المختلفة مِن ظواهر التكافل الاجتماعي والتراحم المَطلوب، والتضامن الإنساني المُحبَّبِ، غيرَ أنَّه لا يكون ابتغاءَ مَرضاة الله وَرضوانه، ولا يكون تطَلُّعاً لدفع البلايا عمن يُقيمها أو يُقدِّمها، ولا يكون إخلاصاً في النَّوايا عندما يكون ذلك بدافع الشُّهرة والتفاخر والدعاية والتَّميز بفعل الخير والبِرِّ!
فشيئاً مِن الحَياءِ على الأقلّ؛ لا تلتقطوا صُوَراً لِمَن تَجمعونَهم مِمَن غلبَ عليهم الفقر أو أيّ حاجةٍ كانت إلى تلكَ الموائد؛ ولا تلتقطوا صُوَراً لحضراتكم وأنتم تبتسمونَ للكاميرات في لونٍ مِن التمثيل بقربهم.. أو بقُربِ مَن تُقدمون لهم يدَ العونِ! وَكُفُّوا عن نشر أخبار ذلك وغايتكم الضِّمنيَّة المقصودة ترويج أنفسكم والظُّهور في وسائل الإعلام أو في مُنتدياتكم ووسائل تواصلكم الاجتماعي.. مُعتبرين ذلك إنجازاً يُسجَّلُ لكم ويستحق المديح! واتقوا الله واسْتروا على أحوالِهم ولا تنتهكوا كرامتهم.. واخْفوا إحسَانكم وَبِرّكم واجعلوه خالصاً ليكون الأَجرُ أعظم والثوابُ أجزل مِن ربِّ العالمين، أوَليسَ بهذا أوصت الديانات كلها، والشرائع، والمنظومات الإنسانية، والقِيَم الأخلاقية!
حنا ميخائيل سلامة 14/3/2026