"رسالة الجامعة لا تنحصر في تقديم التعليم العالي ومنح الشهادات"

17. 11. 29
الزيارات: 42

                                                      بقلم: حنا ميخائيل سلامة نُعمان     

"الجامِعة عقلُ الأمَّة وضميرُها وسنـدُها وساعـدُها ضد الجهل والتـَّخـَلف والوهم، من أجل هذا كله، كانت الجامعة منذ أن ظهرت أول جامعة في التاريخ عاملاً من أبرز عوامل التقدم الحضاري، وكانت الجامعة والحضارة رَفيقيّ دربٍ لا يفترقان".

بهذه الكلمات الهادفة يُعَرِّف الأستاذ الدكتور محمود السمرة ماهيَّة الجامعة والغرض منها ، وقد ورد هذا التعريف ضمن فصلٍ بعنوان "الجامعة ومشكلات العصر" الذي جاء بين دفَّتي كتابه القَيِّم الذي وَسَمَهُ بعنوان "دراسات في الأدب والفكر" . ويُضيف وهو صاحب الخبرة الأكاديمية الواسعة الممتدة لعقودٍ من الزمن " إنَّ رسالة الجامعة لا تنحصر في تقديم التعليم العالي ومنح الشهادات فحسب، بل إنجاز البحوث والدراسات والاستنباط والإبداع وتطوير الذهنيات".     

وعلى ما سبق، لِما ينبغي أن يكون عليه النهج الجامعي للوصول إلى هدفها الذي يفترض توجيه بوصلة كلّ جامعة إليه ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا يُعطى البحث العلمي حقّه ونصيبه الكافي في جامعاتٍ كثيرةٍ. وأقصُدُ البحث العلمي الهادف إلى حلِّ المـُعضلات والمشاكل التي تواجه الناس في حاضرهم، أو تلك التي يستشرفها أساتذة الجامعات وعلماؤها وبأنها لا محالة قادمة، نظراً للازدياد الكبير لأعداد السكان، وبالتالي الضغط على مواردنا الطبيعية المحدودة والتأثير على البيئة في أوجه مختلفة. يـُضاف إلى هذا، البحوث العلمية المدروسة والمكرسة لخدمة الفكر والمعرفة والحضارة الإنسانية، التي يتقدم بها أصحاب الكفاءات والتخصصات، لترتقي بنا إلى مصافِ الدول التي وصلت إلى مراتِب علمية متقدمة.

إن تأطير أنشطة العلماء الباحثين بأي شكلٍ من الأشكال أو التضييق عليهم من خلال تأخير البتِّ في مشروعاتهم العلمية الهادفة إلى خدمة بلدهم وتطويره وتنميته يُعدُّ طعنة في صميم الحركة العلمية والمعرفية، في الوقت الذي تجري في حالات غير قليلة الموافقات على عَجَلٍ، وتخصَّص الميزانيات على أنشطةٍ ومشروعاتٍ أخرى ومنها الثقافية بشتى مسمياتها، أو للأعمال الفنية ومعارضها وصولاً إلى الجوانب الدعائية والإعلانية!

وإذا كانت الأجهزة والمعدات اللازمة للبحث العلمي، لا تموَّل في الغالب من ميزانيات الجامعات، بل من وزارة التخطيط والتعليم والخارجية والمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، ووزارات ومؤسسات محلية ودولية أخرى. فإنه مِن المستغرب أن يُصار إلى تأخير توريدها ، وهل التأخير يخدم البحث العلمي، وتطلعاتنا المستقبلية؟

وفي السياق ، لا شيء أدعى للعجب، مِن أن يتحدث أصحاب شأنٍ في بعض الجامعات في  جلساتٍ جانبيةٍ أنَّ نواباً لديهم وعُمداء ورؤساء أقسام، ليسوا على المستوى المطلوب من الكفاءة ، وليسوا مؤهلين أو مِن أصحاب الاختصاص، لكن تمَّ فرض تعيينهم في مناصبهم من قِبَل مُتَنفِّذين بعضهم يرتدي أمام الناس رِداء محاربة الفساد  ويدَّعي رفضه للمحسوبية في التعيينات! لقد أدى هذا الأمر إلى تراجع في العمل والإنجاز بشكلٍ عامٍ والبحث العلمي بشكلٍ خاصٍ. كما أدى إلى نوعٍ مِن الإحباط لدى الهيئات التدريسية مِن أصحاب الخِبرات الواسعة والكفاءَات المشهود بها. وفوق هذا عندما تراها تتلقى تعليماتٍ من مسؤولين في حلقاتٍ أعلى يجهلون جوهر العمل المناط بهم، ولا يَدْرُونَ في الوقت نفسه شيئاً عن البحوث العلمية ومباحِثِها،  فلا يبتُّونَ فيها ويقومون بتعطيلها.  هذه الأمور مُجتمعة تستدعي إجراءات عاجلة لاستبدالهم بكفاءاتٍ تحمِلُ خِبرَة وتجربةً ومخزوناً علمياً.  وحَسبُنا القول أنها متوفرة في الجامعات عينها مِمَن يعملون بصمتٍ وعزمٍ وإبداعٍ، وتجِدهم لا يسوِّقون أنفسهم لإيمانهم أن الأكاديمي الناجح المتفوق بعلمه لا يُروِّجُ نفسَه؟ إن عشوائية التعيينات، بل الإرضاءات عند التعيين لا تخدم مسيرة أي جامعة أو تسهم في نهضتها، بل تجعلها تتقهقر، مَا يؤثر بالاضافة لما ذُكِر سابقاً على مستوى الخريجين وتدني معرفتهم والذين لا يخفى على أحدٍ ضآلة معرفتهم وتدنّيها!

 وفي السياق، فإنَّه في دُول العالم المتقدم يقوم رؤساء الجامعات وأصحاب الشأن فيها في مطلعِ كلّ عام دراسي جديد بعرض وكشف مخططاتهم وتطلعاتهم وَسْتراتيجية العمل على وسائل الإعلام المختلفة ، إلى جانب تبصير الناس وإطلاعهم على ما تحقق في السنة السابقة وما تعذر تحقيقه.. فمتى يصِلُ بنا الحال إلى مثل ذلك الانفتاح وتلك الشفافية في العمل؟ وليس يغيب عن الذهن، أنّ من حقِّ المواطن أن يعرف ذلك وهو يقوم بدفع دعمٍ للجامعات على فواتير مختلفة الأصناف وعلى رُخَص المِهَن وغيرها مِن تراخيص بشتى مصنفاتها! إن تعيين أيّ مسؤول في الجامعات من رأس هَرَمِها إلى النواب والعمداء ورؤساء الأقسام ينبغي أن يكون مقروناً بمخططاتهم للتطوير والتحسين وأن يُصار إلى تدقيق ومتابعة ذلِك ، بل والمحاسبة في حال عدم الإلتزام. 

ولا ننكرُ أن هناكَ مِن رؤساء الجامعات ونوابهم من لا تغمض لهم عين عما يجري في كل ركن من جامعاتهم. وإنك تراهم لا يوصدون أبوابهم أو يضعون عراقيل إزاء أعضاء الهيئات التدريسية الذين يريدون نقل أفكارهم في سبيل التطوير، أو يريدون توضيح مشكلات تواجههم. وفوق هذا وذاك حِرصهم على متابعة المراسلات الواردة إليهم من داخل جامعاتهم أو من خارجها بأنفسهم ، والرد عليها كي لا يدفنها مدراء مكاتبهم في الدروج وكأن شيئاً لم يكن! ولعلَّ ما نزهو به هو نهجهم برفضهم مغادرة جامعاتهم أثناء الدوام الرسمي، لافتتاح معرض أو ندوة أو أي نشاط إذا كانت حصيلته لا تخدم جامعاتهم ولا تـَهـمُّ رُقيـَّها وتقدمها ورسالتها.

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم