طباعة

إلى حمود الكرك توجَّهت أنظار الأردنيين والعَالَم بأسْرِه!

26. 10. 31
الزيارات: 71

إلى حمود الكرك توجَّهت أنظار الأردنيين والعَالَم بأسْرِه!

توجَّهت أنظار الأردنيين ومعهم العَالَم بأسْرِه إلى قرية حمود الأردنية المُطمَئِنَّة الوادعة، وَالسَّنِيَّة المتألقة بإرثها التاريخي، ومواقف قاماتها أهل الشهامة والنَّخوة والتفاني في سبيل الوطن وَرِفعتهِ. ورحلت الأفكار إلى محافظة الكرك محافظة التاريخ والحضارة، والأنموذج المشهود له في الأُخوَّة الحقيقية بين أبنائها بكافة مكوِّناتهم ومنابتهم وعقائدهم الإيمانية. أمّا القلوب فقد تحيَّرَت وَذُهِلَت لما جرى لمواطنين أبرياء، آثروا ظهيرة نهار الجمعة الموافق 23/10/ 2026 وَمع مُلامَسة رَنينِ أجراسِ كنيسة القديس جاورجيوس لآذانهم، أن يَمضوا صَوبها لحضور صلاةٍ جنائزية على سيِّدةٍ فاضلةٍ جليلةٍ مِن عشيرة الهلسة الأبيَّة؛ انتقلت من دار الدًّنيا إلى رحاب الملكوت السماوي، ولمشاركة أهلها وذويها الصلاة على روحها الطاهرة ولتقديم واجب المواساة لهم.

في الكنيسة أوقدت الشموع فتلألأت، وحملت أجنحة الرياح إلى علياء السماء أريج البَخور الفوّاح بعبير صلوات رُعاة الكنيسة وجمهور المؤمنين. وحملت تلكَ الأجنحة تأملاتهم وصلواتهم وقد بَسَطوا أكفهم بخشوع وورع نحو العُلى إلى إلـَهِ المراحم مُرتـّلِين " إذا سِرتُ في وادي ظِل الموت لا أخاف شراً، لأنكَ يا ربَ مَعي، عصاكَ وعُكازكَ هما يُعزيانني"؛ "وجْهَكَ يا ربِ ألتمسُ".

وعلى حينِ غِرَّةٍ، ومع ارتفاع الصَّلوات الجنائزية أقبلَ مَن جفت شرايينهم وتحجرت قلوبهم وَخرجوا مِن طينة البَشَر وأخذوا يطلقون رصاص الغدر لينالَ بوحشيةٍ وَتركيزٍ أجسادَ كوكبة مُؤمِنَةٍ نبيلةٍ مِن أبناء الوطن مِمَن نهجهم في الحياة يَقوم على مَحبة الخير وتفعيله بين الناس أجمعين؛ وَمَقت الشر وفاعليه، وعلى ما تعلموه مِن كلمة الله الحيّة "امقتوا الشر وأحبوا الخير".

لم يكن خروج كوكبة الأبرياء الأصفياء الشهداء مِن ظلال الزمن، بتلك الطريقة الوحشية البربرية على يد رجال الجحيم ونـَافِثِيِّ الجَوْرِ، إلاّ انطلاقاً للقاء المسيح الظافر الحَيِّ؛ الذي ألِـفـُوا وَجهَه في تأملاتهم وابتهالاتهم، ونالوا نِعمةَ الالتقاء به كلما تناولوا قُربانَ المحبة والفِداء والحياة الأبدية؛ القُربان المقدَّس. إنَّه انطلاقٌ إلى ذاكَ الذي عَلِقت أنظارهم بصليبه المُرتفع على قُبَّة الكنيسة تحتَ أهداب السَّماء ساعةَ دخولهم إليها، لِيُكلِّلَهُم لهُ المجدُ في ملكوتهِ "بإكليل الغَلَبةِ والبِرِّ الذي يَهَبَه الرَّبُ الدَّيان العادل" وَلينعموا بتلكَ " الطُّوبى" التي كُتِبت لهم ولقوافل شهداء "الكلمة المُتجسِّد" عبرَ الأجيال وَعلى ما ثَبَتَ في سِفر رؤيا القديس يوحنا: "طوبى للذين يغسِلون حُلـَـلـَهُم بدم الحَمَلِ ليكونَ لهم سُلطانٌ على شجرة الحياة".

كانوا عُزَّلاً مِن أيِّ سِلاحٍ سِوى سِلاح الإيمان الذي لا يُقهَر، ولا يَفتُر بريقُ رُسوخ محبة المسيح المتدفق منه أمام أيَّةِ "شِدَّةٍ، أو ضِيقٍ، أو اضطهادٍ، أو خطرٍ، أو سَيفٍ" كما تعلَّموا مِن القديس الشهيد بولس رَسول المسيحية.  وكذا حال رفاقهم الأنقياء البَرَرَة الذين أصابتهم أيدي الغدر أيضاً في أنحاءَ مِن أجسادهم الطاهرة الشريفة، وكان سِلاحهم الوحيد الإيمان؛ ذلكم الإيمان المُتجذِّر في قراراتِ نفوسهم؛ وقد بزغَ مِنهُ قول السيد المسيح مُتوهِّجاً وقتئذٍ يُقوِّيهم "لا تخافوا مِن الذين يقتلونَ الجسد، ولكن النفس لا يقدرونَ أن يقتلوها، بل خافوا بالحَرِيِّ من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم".

لقد امتزجت دِماء شُهداءِ كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بدماءِ المُصابين الزَّكية، ومن بينهم إخوة في الوطن والمصير والإنسانية والإيمان بالله الواحد، الذين توافدوا للمشاركة في تأدية واجب العزاء؛ فاستحالت الدماء مُجتمعةً مندمجةً إلى زَيتٍ مُضيءٍ سَرعان ما بعثَ شعاعاً آسراً على الأردن بأسْرِه، فهبَّ هبةً واحدةً بكافة أبنائهِ ومكوناتهم وشرائحهم المجتمعية، وَكتفاً إلى كتفٍ، مُعلناً شجبه واستنكاره وإدانته لهذه المجزرة البَشِعة، وواعياً مُدرِكاً المُراد من أغراضها الخسيسة وغير السَّويَّة وهي العبثَ بنسيج هذا الحِمى المتناغم والمُنسجم، والنَّيل من تآلفِ وتضامنِ وتضافر أبنائه والمَسّ بموازين الاستقرار في ظلِّ ظروفٍ وتحدياتٍ تعصِف بدولٍ كثيرةٍ في المنطقة. فجاءت هذه المواقف الشريفة بمبادراتها الوطنية الواعية المختلفة لِتُبدِّدَ أوهامَ قِوَى الظلام التي تنسجُ خيوطها العنكبوتية في جوف الظلام ولتَرُدَّ أوهامهم وأطماعهم.

ويتقدم الشعب في وقفته وَتَراصِّ صُفُوفه وتضافر عزائمهِ قائد مَسيرة الوطن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم أعزَّه الله، وَسُمو ولي العهد الأمير الحسين، والعائلة الهاشمية السَّامية بأجمعها. فقد جَسَّد جلالته حفظهُ الله بمبادراته الفورية العملية، وخطواته الرائدة، وإجراءاته النابعة مِن فِطنةٍ وحِنكة والمُتخذَة حالَ وقوع الجريمة النكراء وبعدها ؛ أسمى مَعاني القيادة الهاشمية الحكيمة، البصيرة، سديدة الرأي، والتي تمتلك تجارب الدُّنيا فلا تُثنيها التحديات والعقبات، ولا تَفُتَ مِن ثباتِ مواقفها وإصرارها على عدم السماح لأيَّة أصوات تسعى لتقسيم أبناء الوطن الواحد والتفريق فيما بينهم على قواعد مَنابِتيَّة وَعِرقيَّة، ودينية، وطائفية، ومناطِقية. ومن خلف جلالته أعزَّه الله، في توجيهاته السامية ومواقفه المُشرِّفة ومبادراته النبيلة يقفُ القابضون على جَمر واجباتهم المقدسة بيقظةٍ لحماية حِياض الوطن؛ القوات المسلحة الأردنية الباسلة، واجهزتنا الأمنيَّة المِقدامة الشجاعة الساهرة على مُقدرات الوطن وأمنه وأمانه.

بقيَ أن أقول: سَكـَبَ اللهُ بلسمَ العزاءِ على قلوبكم أهل الإيمان والفضيلة والبِرِّ ذوي الشهداء الأطهار، ومنحكم مِن لَدُنه الصَّبرَ على فراقهم. وحَسْبـُـكم الإيمان الذي تحملونه في حنايا صدوركم بأنَّ دموعكم ستـتحول إلى ترانيم ظَفَرٍ فـَـلـَكـُم عندَ شمس البّر المسيح الحيّ شـُفعاء؛ هُم مَن انطلقوا قرابينَ حيَّة مِن مكانٍ طاهر مقدس ترتفع منه الابتهالات والصلوات. فكانوا بحال النِّعمة حين انطلاقهم إلى بارئِهم الذي وَعَدَهُم "لأمانتهم حتى الموت" بأكاليل الحياة. ومنحَ تقدَّس اسمُهُ المُصابين في الاعتداء الغاشم والراقدينَ على أسِرّة الشفاء بقدرتهِ السلامةَ والتعافي والشفاء التام، وَحوَّلَ أوجاعهم وأحزانَ المُحيطين بهم مِن أهلٍ أعزاء وأقرباء أكارم إلى "فرحٍ لا ينتزعه أحدٌ منهم" كما وعد المُعلم الإلهي.

حفظَ الله الأردن آمناً مستقراً مزدهراً شامخاً في اظلال ورعاية قائد المسيرة الظافِرة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم أعزَّهُ الله وأدامَ مُلكَهُ.

كاتب وباحث

حنا ميخائيل سلامة نعمان  

 

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم