يا صاحب العيد غُفرانَك نلتمِس!

18. 12. 01
الزيارات: 107

يا صاحب العيد غُفرانَك نلتمِس!

 

                                                                   بقلم حنا ميخائيل سلامة نُعمان

   يا صاحب العيد غُفرانك نلتَمِس،  فقد أمالوا العيد لغير ذاتِك القدوس  وانشَغلوا بغيرك عنكَ ، ولم يذكروكَ على  النحو المـُرتجى .. وأنتَ، أنتَ مُشتهى الأجيال وثمرة العهود والوعود. في عيد ميلادك العجائبي حَبسوا  ألسِنَتهُم وأقلامهم عن ذِكْر اسْمَك يا مَن" ترى ما يُرى وما لا يُرى" . أنْكَرُوُكَ ولم يذكُروا إسْمَك، بل جعلوا يتحدثون ويكتبون عن أشجار العيد وزينة العيد وعوائد الناس في العيد ضيافةً وحلويات ومعايدات وبازارت.. وهُمُ على عِلمٍ بقولك "مَن أنكرني قُدام الناس أنكرته أمام أبي في السموات"!

     يا صاحب العيد غُفرانك نلتمِس، فقد صارت شجرة الميلاد في حساباتهم وعلى ألْسِنَتِهم أضواء تُضاء ، وزينة صامتة تُعلَّق، وزُخرفات تُعَدُّ وتُمَدُّ، وحجماً يُتباهى به ارتفاعاً وعرضاً . وها قد تبدَّى أن مصابيح الأشجار وأضوائها البراقة بفعِل تيَّارِ طاقةٍ اصطناعيةٍ قد حجبتهُم عن رؤيتك أنتَ .. وأنت نور العالم الذي لم يُدركه العالم بَعد!

     يا صاحب العيد غُفرانك نلتمِس، إذ أضاءوا مصابيحَ أشجارَ ضخمة كانوا مَوضعوها حيث طاب لهم، فكانت لِلْفُرْجَة والتقاط صُور التذكارات مِن حَولها.. ليس إلاَّ ! صفَّقوا لها ، واحتَفَوا بها على طرائقهم وكانت أشجارهم صمَّاء خرساء مُظلمة.. إذ لم  تُجاوِرها مغارات تُحدِّثُ للغادين والرائحين عن غِنى محبة الله وحُضوره  المـُتجسِد في اتضاعٍ مَهيبٍ وفي مذوذٍ خَشبيٍ يُضاهي أنفس الكراسي ومَن استوى عليها على مدى العصور والأزمان .

     يا صاحب العيد غُفرانك نلتمِسُ، فقد انفتحت شفاهُهم، واختلطت أصواتهم، وَعَلت مُجاملاتهم، ولم تُنصِت لِذاك النشيد الذي أنشَدته الملائكة فوق فضاء بيت لحم، مُمجِّدَةً الله الآب في الأعالي، ومُبشِّرة بميلاد المحبة مُخلِّص النفوس وأمير السلام. ليتهم يا سيِّدي أنصتوا لنشيد الملائكة هذا، وحَسْبُهم لو فعلوا لأدركوا أن الملائكة المُبَشِّرة بميلادك أنتَ يَا مَن " الآب فيك وأنت في الآب" ، ستصدحُ هي عينها شاهدةً مُرنّمةً بعد ثلاثٍ وثلاثين سنة بقيامتك المجيدة فوق القبرالفارغ :" إنَّه ليس هنا إنه قام"  .

     يا سيِّدي يسوع، نظرتُ وجهَكَ في عيد ميلادك المجيد، فوَجَدْتَني أراك على غير ما اعتدْتُ.. انحَبس الدمع في عيني إذ أيقنتُ كُنه الأمر.. فالمغارات حَنَّت للناظِرين المـُحدِّقين المـُتأملين بخشوعٍ "شُعاع مجد الله وصورة جوهره " المـُتجسِّد بهذه الصورة.. مَن أزال  لمَحبته صِفة المجهول البعيد المتعالي عن البشر وحلَّ بينهم وصار معهم " عمانوئيل -الله معنا-" ليكون لَهُم "الطريق والحق والحياة "كما خبَّر عن ذاتِه وإنَّه لكذلك!

      يا سيِّدي يسوع، يَشُقُّ علي أن أرى القوم يُشيحون وجوههم عن مغارة العيد التي تروي حدثَ الميلاد، وسِرَّ الميلاد، وثورةَ الميلاد المتمثلِة بالعهد الجديد الذي عقده الله الآب مع البشرية.. فأجِدُهم يصرفون اهتمامهم  مُنهمِكين بالتقاط الصُّور والتذكارات في التفاتاتٍ وَوَقَفاتٍ وأبعادٍ مُختلفة!

      يا سيِّدي يسوع، أيُعْرِضُ القوم عن تأمُّل وجهك يا مَن " مَن استقر عليك روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح العلم وتقوى الرب". أنتَ يا مَن أردت "رحمة لا ذبيحة"، وجئت " لتجبر مُنكسري القلوب وتنادي بالعتق للمسبيين وبتخلية المأسورين" ، وارتفعت َلِتُعِدَّ لنا مكاناً لنكون حيث تكون.

       يا سيِّدي يسوع، أيُشِيِح القوم وجوههم عن مغارة العيد الشَّذِيَّة بأنفاس مَن " حلَّ عليها الروح القُدس وظلَّلتها قوة العليّ " "الممتلئة نعمة المباركة بين النساء -لأن -الربَّ معها " كما بشَّرها الملاك في الناصرة "مريم العذراء شريكة ملحمة الفداء والمغفِرة أُمَك – أُمّنا - كما قرَّرتَ على صليب الجلجلة؟ 

        شَخَصَ بَصَري إلى مغارة الميلاد، فإذا مريمَ  تحنو على يسوع وجِوارها -كمِثلِ حالها نَسَباً - مِن بيت داود مِن سِبط يهوذا، يوسف البَارّ التقيّ النقيّ، الذي اختاره التدبير الإلهي حارساً مُلهَماً للعائلة المقدسة في أسمى مهمة عرفها التاريخ وأقدسها وأجَلَّها. يوسف  البَارّ الذي أصغى وتفكَّر وازداد يقيناً على يقين، عندما حمل سمعان الشيخ في الهيكل الطفل يسوع، وطلب أن ينطلق بسلامٍ من عالم الزمن بعد أن تحقَّق ما تمنّاهُ برؤية المخلّص نفسه، والنُّورعينه، الذي أُعِدَّ أمام جميع الشعوب وَوُضِع لسقوط وقيام كثيرين في اسرائيل وعلامة لا تُقاوم". يوسف البارالذي حفِظ وتفكَّر وكتم في صدره، قول سمعان وهو يشير لمريمَ  "وأنتِ سينفذ سيف الحزن في نفسك لتنكشف الأفكارعن قلوبٍ كثيرةٍ" .

     وأُمْعِنُ النظر في مغارة الميلاد، فإذا الرُعاة في فرحٍ ينقلون خبر" مَجد الرب الذي أضاء حولهم" وبُشرى جُند السماء وملائكته " بفرحٍ عظيمٍ يكون للشعب كله" مَا  حرَّكهم على عَجَلٍ مِن حيث تواجدوا إلى المكان لرؤية "مسيح الرب المُخلِّص".  وأُمْعِنُ النظر فإذا بثلاثة حُكماءَ سُجَّداً، كانوا أَتَوا من المشرق عندما لاح لهم نجمٌ لمَّاعٌ أدركوا ببصيرتهم أنه هو ما انتظروه علامةً ، فتبِعوه مُحملين بالمُرِّ والبخور والذهب في رمزية استشرافية مَهيبةٍ لِما ينتظر "حمل الله الذي يرفع خطية العالم" الماثل أمامهم في المذود! أمام ذلك كله عُدت أتأمل فرأيتُ ذاتي على حقيقتها وعَرفتُ نفسي أكثر .. ضعيفٌ أنا لولاك سيِّدي يسوع يا من لم تزل الأعين -مَمْسوكَةً عن مَعرفَتِك- بالرغم مِن وجودك معها كحال تلميذي "عمواس" !

وأعودُ فأجثو أمامك مُبتهِلاً  وأنتَ "مَن دُفع إليك كل سلطان في السماء وعلى الأرض" أن تُنقذ برحمتك الإلهية الفائقة عالمنا الذي يئِنُّ مُضرَّجاً بالدماء بِفعل  قِوى الشر وأعداء الحياة وأن يسود السلام ويعود الاستقرار وتَعُمّ المحبة، المحبة الحقيقية التي أُفِيضت بميلادك المجيد على البشر لترفعهم من الظلمة إلى النور الحقيقي !

حنا ميخائيل سلامة نُعمان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.                                                      

   

Comments powered by CComment

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم