أَبُقراط أبو الطِبّ لو بُعِثتَ للحياة مِن جديد ماذا ستجد ؟

17. 11. 29
الزيارات: 60

                                                                                           بقلم: حنا ميخائيل سلامة نعمان

 قبل أن يسدِّدَ قلمَه ليكتب الوصفة الطبية بخطٍ كبيرٍ واضحٍ، كي لا يختلط الأمر على الصيدلاني الذي كثيراً ما تصله وصفات كُتِبَت بخطٍ  كالطِلـَّسْماتِ غير مفهوم فيأخذ يتحزر ويخمن لفك حروفها وقد يصرف ما هو خلاف المقرر.. يكون الدكتور طارق برقان قد أعطى المريض الوقت الكافي ليبسط ما يعانيه من أوجاعٍ وعوارضَ دعته للحضور للعيادة، ويفتح المجال له ليفصح عن أيّ تساؤلات تؤرقه، بل يوقظ ذهنه عما غفل في سرده بخصوص حالته. بانتباهٍ شديدٍ يُصغي لمريضِهِ ثم يُجري الفحص السريري، فقياس ضغط الدم ونبض القلب وما يتعلق بشأنه.. وغيرها من فحوص يقدِّرُها بخبرته تسهم في التشخيص الصحيح المتكامل.

والغريب أن تلك الفحوص المهمة والأساسية ما عادت محطَّ اهتمام العديد من أطباء اليوم الذين يكتبون الوصفة الطبية على عَجَلٍ.. أو يدفعونَ المريض وقبل أن ينهي شرح حالته ومعاناته، لإحضار فحوصٍ كثيرة مُكْلِفَةٍ مادياً - يتبين في أغلب أعمِّ الحالات عدم الحاجة إليها - من مختبراتٍ ومستشفيات ومراكز أشعة محددة دون غيرها.. يجيء هذا وَهُم لاصقون بكراسيهم وعقولهم طائرة في أعداد المرضى في صالة الانتظار، ومحصلة الدخل الوفير في آخر النهار!

وإذا كان المريض في العادة لا يقرأ مضمون النشرة الطبية الموجودة في كلّ عبوة دوائية، هذه المسألة التي يغفل عنها كثرة مِن أطباء اليوم على أهميتها القصوى، فإن الدكتور برقان وبِحُكم خبرته الطويلة يقوم بارشاد مراجعيه عن التداخلات الدوائية والاحتياطات وطريقة استعمال العلاج وتوقيته والأغذية التي يمكن أن تثبِّط مِن مفعوله وغيرها من معلوماتٍ في معرفتها مسبقاً ما يُطمئِن المرضى ويُسْهم في تعافيهم. وجديرٌ بهذه المناسبة أن تتنبه وزارة الصحة لهذه المسألة الخطيرة التي لا يأبه لها أطباء المراكز الصحية الذين يوكلون المهمة للقائمين على صيدلياتها والذين مع ازدحام حامليِّ الوصفات تتعطل لغة الكلام عندهم، فيجري رصُّ الأدوية في أكياس بلاستيكية صغيرة دون نشرات أو شرح فيدفع المواطن بعد حينٍ ثمناً من صحته لمضاعفاتها!

لقد ارتسمت أمَارات الذكاء على قَسَمات وجه الدكتور طارق برقان وهو بَعْدُ على مِقعد الدراسة، حيث كان وقتها يَنشَقُ نَسَماتٍ شَذيَّة مِن أجواء مَسقط رأسه مدينة الكرك، وما أنْ تخرج هذا الغُصنُ المتفرع مِن عشيرة كريمة محمودة الشمائِل، حتى توجه شَطر اسبانيا لينهل علوم الطب ومهاراته من أرقى جامعاتها المختصة كان ذلك سنة 1963 وبعزيمةٍ ماضيةٍ ومُثابرة وسَهرٍ أنهى الدراسة بتفوقٍ سنة 1969 عاد بعدها لأردنه حيث عَمِل طبيباً عاماً ، توجه بعدها إلى بريطانيا كان ذلك سنة 1975ولغاية 1982 حيث عَمِل في أحد مستشفياتها  وتخصَّص في الأمراض الداخلية ،هذا التخصُّص الذي كان تلمَّس حاجة الأردن لمثله. وقد تحقَّق ما كان يصبو إليه لمزيدٍ من العطاء لبني وطنه وحاز بجدارةٍ على عضوية الكلية الملكية البريطانية. لقد وضع الدكتور برقان نصب عينيه أن يخدم أردنّه من خلال رسالة الطب النبيلة مُفـَعِّلاً وبأمانة قَسَمَ "أبُقراط إبن اقليدس اليوناني" المعروف بأبي الطب ومنه هذه الفقرة: أتعهد وبكل ما أوتيتُ من علم ومعرفة وقوة على انقاذ أرواح البشر بكل أمانة وإخلاص وتفان دون تمييز أو تفرقة".

قد يحتاج الطبيب حديث العهد بعَمَلِه للتعريف أو الترويج، لكن ليس بعد أن تَتَكلَّل هامته بوقار المَشيب ويكون قد حمل لواء رسالة الطب النبيلة لِسَبْعٍ وأربعين سنة وعكفَ على خدمة بني قومه مِن الحاضِرَة إلى الريف إلى البادية، إلى جانب مَن كان يسعى إليه مِن دولٍ مختلفة  للعلاج او لأخذ المشورة.  أجيء بهذا كي لا يَفهم أحدٌ عكس ما أصبو إليه مِن مقالي هذا الذي عقدت العزم على كتابة سُطُوره لِتسليط الضَوء بِزهوٍ وبكلّ قوة على النهج الإنساني الذي ينتهجه الدكتور برقان مَدّ الله في عُمُره، وعلى فِطنته وطريقة تعامله مع المرضى وآلية معالجتهم، بل وترحيبه لِمَن يهاتفه ينْشُدُ عَونَه ويطلب مَشورته خارج وقت الدوام أو أوان راحته في العُطل.. من داخل الأردن أم مِن خارجه ، وتَشهدُ بهذا  كثرة كاثرة ليس من أبناء الوطن فَحَسب ، بل من خارجه وعن مبادراته بالاتصال هو بنفسه للإطمئنان والمتابعة. أذكُرُ هذا الذي تُجمِعُ عليه شهادات الشهود ليكون بما أسلفت ذِكره ما يسدد خطى كثرة مِن أطباء الأمس واليوم والغد.. ليُقدِّموا قصارى جهودهم لأبناء الأردن ومن يقصد بلدنا ليبرأ من علة تذيقه مرارة اليأس!

وأختم متسائلاً: تُرى لو بُعِث "أبُقراط.. أبو الطب" للحياة من جديد في هذا الزمن الذي تهيمن المادة فيه على تفكير الناس وأفعالهم ماذا سيجد؟ سيجد أن القَسَم َالذي صاغه وأراده هادياً لضمير العاملين بهذه المهمة الإنسانية ونبراساً يضيء دربهم، مُفعَّلاً بأمانة وتفانٍ من أطباءَ "رأس الحكمة - عندهم - مخافة الله"، غير أنه سيصاب بامتعاظٍ وسَخطٍ عظيمٍ من جراء ممارسات وسلوكيات نسبة غير ضئيلة:هذا يـُقـَسِّمُ الساعة الواحدة على خمسة أو ستة مرضى، وذاك يضع السماعة على صدر مريضه وعقله في عدد المراجعين، وغيره يقرر علاجاً لصداقة تربطه مع المستورد أو المُصَنـِّع، وغيره من يعتبر المريض زَبوناً دسماً إن كان قادماً من خارج البلاد فيأخذ يمرره على أطباء آخرين بداعي المزيد من المشورة، ويرسله أيضاً دونما حاجة إلى المختبرات الصديقة وفحوصات الرنين والأشعة وهلُمّ جراً..ثم يُحمـِّله علاجات بمئات الدنانير قد يضطر المريض لتغييرها واتلافها لعدم جدواها ،أما الفئة التي تتثاقل ولا ترد على استغاثات مرضاها بعد ساعات الدوام وفي العطل فحدِّث ولا حرج.. وفي الجعبة عشرات المآخذ لا يتسع المقام لسردها!

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم