" كُلّ مِن همّه على قدِّه"

17. 11. 17
الزيارات: 78

بقلم : حنا ميخائيل سلامة نُعمان

 

يحكى أن امرأة هندوسية فقدت وحيدها فأناخت عليها الهموم ومزقتها الأحزان.. ولما عجزت عن الصبر والاحتمال توجهت إلى راهبِ مَعبد ، تسكب أمامه شكواها وتبثه ضيقها، وتلتمس إزره قائلة: خذ بيدي!  وبكل عطف ومن عقله النير وحكمته أشار عليها بقوله:  أن اذهبي يا ابنتي وأحضري لي في كفك حِفنة من الأرز من بيتٍ لم تمتد إليه يد الموت.. وبعد ذلك عودي إليّ فأرد لك إبنك.

تهلل وجهها ، وأسرعت الخطى تقرع الأبواب من بيت إلى بيت وتسأل: هل كلُّكم بخير.. هل كلكم في البيت وليس من غائبٍ ؟ وكانت تواجَه بالنفي الممزوج بالأسى، وتعود لتسأل: هل غيب الموت أحداً من هذا البيت؟ وهل فقدتم عزيزاً ؟ وهُنا تجِدُ الرؤوس وقد إنحَنت  حتى اذا ارتفعت كشفت أهداباً مبتلة بالدموع  تنطق بالجواب!

وأخذت في جولاتها تستمع لحكاياتهم، وتتعاطف مع مآسيهم، واشتد الحال فصارت تبكي لبكائهم، واستحالت الدموع التي كانت تنهمر على عزيزها دموعاً على المتألمين نظيرها.. ونسيت نفسها بعد أن اندمجت آلامها بآلامهم وعلى ما وضع الدهر عليهم من أثقال. وصاروا يجدون في الحديث إليها تفريجاً عن كربتهم وترويحاً عن أنفسهم.. وأنها لكذلك حتى وهنت عزيمتها ونال منها التعب، فعادت أدراجها إلى بيتها بعد أن طال اغترابها عن الراهب. وقد أيقنت أن مصابها يهون أمام مصائب الآخرين، وأن الضربة التي أدمت قلبها تُعد هيِّنةً أمام ضربات الآخرين لكثرة ما سمعت من أحزان وآلام، راضية لنفسها ما كُتب عليها .

لقد وصلت تلك المرأة إلى كبد الحقيقة واقتنعت أن مصابها يسير ومقبول على ما أصاب غيرها .. وأنَّ فقيدها ليس بأول راحل عن وجه الأرض وما هي بأول ثكلى.. وبناءً عليه فقد تغيرت صورة حياتها وعادت الابتسامة إلى ثغرها.

ولعل في هذه التجربة عبرة لمن يُجّعِد جبينه ويسجن نفسه في قفص أحزانه، جاعلاً ذكرياتها المؤلمة تجثم على عنقه وصدره وتتحكم في مسيرة حياته وما كان يصبو لتحقيقه! 

وكذا الحال مع من يبتر علائقه مع الناس ويجلس طوال النهار  وقد ملأ الحزن والأسى نفسه نادباً راثياً حظه... حتى اذا "جُن الليل وأرخى سدوله " أمضاه مكابداً شاكياً من "بِطئ كواكبه" مردداً تارةً مع النابغة الذبياني:

تطاولَ حتى قلتُ ليسَ بمنقَضِ        وليس الذي يرعى النجوم بآيبِ

 

وطوراً مع امرؤ القيس :

فيـالك مـن ليـل كـأنَّ نجـومـه         بكـل مُغـار الفتـل شُـدت بيذبـل ِ

 

وإذا كان الكثيرون في أيامنا هذه يعيشون في وهم اليأس حتى أن أقل سهم من الأرزاء يصيب منهم مقتلا، فإننا نقول لهم إن وقائع الدنيا ومصائبها ليست محصورة على الإطلاق بأناس عصرنا، بل هي ملازمة للإنسان منذ غابر العصور. ولعل ما قاله المتنبي قبل أكثر من ألف عام يعزز ما نرمي إليه:

    

صَحِب الناس قبلنا ذا الزمانا             وعناهم من شأنه ما عـَــنانا

 

  

 وأنها لحقيقة ساطعة، أن الكثير من الناس لديهم متاعب وهموم لكنها مستودعة في باطنهم ولا يظهرونها.. حتى اذا جلست إلى واحدهم ملأ الجو مرحاً وبهجة، متقبلاً همسات المحيطين به قائلاً:" نياله مش فارقة معه... باله فاضي." علما أنه لا يزال يتلقى لطمات الدنيا معتبراً ذلك نصيبه المقدر له ! يقول الشاعر:

كل من تلقاه يشكو دهره              ليت شعري هذه الدنيا لِمن؟

 

وقصارى القول أن الإنسان أي إنسان يمر عادة في عقبات وأوجاع ومتاعب، لكن العاقل الحكيم هو الذي يواجهها ويجتازها بصبر الرجال وبسالة الأبطال، ذلك أن لا حياة تؤخذ من إمرئ قبل أوانها!.

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم